كتب

“الميديا الجديدة : الإبستيمولوجيا والسياقات والإشكاليات”، منشورات جامعة منوبة، تونس، 2012

يضمّ هذا الكتاب دراسات تجمع بينها إشكاليّة الميديا الجديدة. والميديا الجديدة مصطلح مركّب ومتعدّد المعاني، إذ يحيل على التكنولوجيات الجديدة للمعلومات والاتصال كالإنترنت والهاتف الجوال والتقنيات الرقمية بشكل عام وعلى ممارسات إعلامية جديدة كالصحافة الإلكترونية وعلى ممارسات تواصلية كالتي تحتضنها مواقع الشبكات الاجتماعية وعلى أشكال جديدة من الكتابة كالتدوين… ومن هذا المنظور فإن “الميديا الجديدة” تختزل مستويات متعدّدة تكنولوجية وإعلامية، تواصلية واجتماعية، ثقافية ورمزيّة.

وقد قسّمنا هذا الكتاب إلى ثلاثة فصول. أما الفصل الأول فيتناول مسائل ذات صبغة نظرية وإبستيمولوجية تتعلّق بالميديا الجديدة كونها تمثّل حقلا بحثيا في طور التشكّل ضمن الحقل الواسع لعلوم الإعلام والاتصال ) ( Sciences de l’information et de la communication) حسب التعبير الفرونكفوني) أو دراسات الاتصال  communication studies حسب التعبير الأنقلوسكسوني). وتناولنا في هذا الفصل القضايا المرتبطة بالرهانات النظرية والمنهجيّة المتّصلة بدراسة الظواهر الجديدة كتجديد المفاهيم وإعادة النظر

في المقاربات النظرية السائدة وابتكار منهجيات جديدة… أمّا الفصل الثاني فتناولنا فيه عددا من الإشكاليات النظريّة ذات العلاقة بالميديا الجديدة في العالم العربي مثل إعادة تشكّل مفهومي النخبة والجمهور وهويّة الصحافة الإلكترونية وعلاقة الشباب بالتلفزيون ومصير التلفزيون العمومي والاتصال الثقافي في الفضاء الإلكتروني. وأمّا الفصل الثالث فأثرنا فيه السياقات المركّبة والمتعدّدة سياسيا واقتصاديا وثقافيا وتاريخيا، تلك التي تتشكّل فيها الميديا الجديدة والظواهر والممارسات المتّصلة بها.

ويعكس تقسيم الكتاب إلى محاور ثلاثة ( إبستيمولوجيا وإشكاليات وسياقات) تصوّرا مخصوصا للمقاربة النظرية للميديا الجديدة التي ندافع عنها. فمعالجة الظواهر والممارسات والتحوّلات المرتبطة بالميديا الجديدة تقتضي إجراءات رئيسة ثلاثة حسب رأينا. يمثّل توظيف المفاهيم والمرجعيات النظريّة والمنهجيات الإجراء الأساسي الأول، ذلك أن التسليم بأن الميديا الجديدة تشكّل حقلا بحثيا مرتبطا عضويا بحقل علوم الإعلام والاتصال) أو بدراسات الاتصال (يقتضي بالتالي الاستناد إلى المكاسب النظرية لهذه العلوم والعمل على استثمارها وتجديدها في الوقت ذاته لمقاربة الظواهر والممارسات المستحدثة. فالتفكير في الميديا الجديدة يستدعي أيضا، كما سنتبيّن ذلك، تجديدا في مستوى المنظومة المفاهيمية والنظرية والمنهجية التي يعتمدها الباحث. وإذا نظرنا إلى الإنتاج البحثي العالمي) الفرونكفوني والإنقلوسكسوني على حدّ السواء (في مجال الميديا الجديدة سنكتشف المكانة المركزية التي يحتلّها المبحث الإبستيمولوجي الذي يتصل بالتفكير في شرعية استخدام المفاهيم والأطر المعرفية والأنساق النظرية التي ارتبطت بالإعلام الكلاسيكي لدراسة الميديا الجديدة. ومن جهة أخرى لا بدّ من الإشارة إلى أن المطلب الإبستيمولوجي-النظري لا يعني البتّة أن ينحصر جهد الباحث العربي في المقاربات التأليفية للإنتاج البحثي العالمي فيقنع بالتالي بدور الواسطة عرضا وتأليفا، معتقدا أنّ ذلك يمثّل منجزا معرفيا يفتخر به.

إنّ الاستناد إلى مكتسبات الإنتاج البحثي العالمي، التي قد تؤدي الغفلة عنها إلى السقوط في فخّ الخطاب العفوي، يتيح لنا إنتاج الإشكاليات المحايثة للسياق الثقافي العربي (الإجراء الثاني). فنحن نوظّف المفاهيم والمرجعيات النظرية والأدوات المنهجية لفهم التحوّلات المتصلة بشكل مباشر أو غير مباشر بالميديا الجديدة في المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية. ففي المجال السياسي يحيلنا التفكير في الميديا الجديدة في السياق العربي على ظهور أشكال التعبير السياسي الجديدة (التدوين على سبيل المثال) (وعلى أنظمة إدارة المجال العمومي ودور الميديا الجديدة في تفكيك منظومات الإدارة السلطوية للمجال السياسي وتعزيز الحريات الفردية والجماعية ودمقرطة الحياة السياسية في سياق أزمة النموذج الشمولي أو السلطوي وتعاظم ثقافة الاختلاف. وليس يعني ذلك السقوط في تعظيم دور التكنولوجيا واعتبارها العامل الأساسي في تحولات ذات طبيعة مركّبة، ولا يعني كذلك “التمجيد ” لتأثيراتها، كأن نجعل منها عامل تحرّر والحال أنها مرتبطة كذلك بإستراتيجيات الهيمنة والقوّة. فالتكنولوجيات الحديثة لا تقوّض بالضرورة كلّ المنظومات التقليدية لإدارة المجال العمومي. ولعلّ آليات المراقبة والحجب التي تمارسها الدولة في الفضاء الإلكتروني وتنامي الأفكار المناهضة لقيم الانفتاح والتواصل داخله مؤشرات تدلّ على الطبيعة المركّبة للميديا الجديدة في علاقتها بمسائل القوة والتراتبية والسلطة والحرّية. وفي المجال الاجتماعي تساهم الميديا الجديدة في تشكيل أنماط جديدة من التنظيمات الاجتماعية (كالجماعات الافتراضية) ومن العلاقات الاجتماعية كالتي تتشكّل في الشبكات الاجتماعية. كما أن للميديا الجديدة علاقة متينة بتحوّلات الأسرة وتنظيمها الداخلي وأشكال تفاعلها مع المجتمع وبتنامي أنماط جديدة من التعبير الاجتماعي الفرديّ والجمعيّ.

وعلى هذا النحو فإن الميديا الجديدة تمثّل مجالا رحبا لمعاينة تحوّلات المجتمعات العربية التي تتشكّل بدورها في سياقات شاملة وتاريخية (الإجراء الثالث). وبناء على هذا فقد خصّصنا الفصل الثالث للنظر في إشكاليات الميديا الجديدة ضمن أفق تاريخي، اعترافا منّا بأن الإعلام والاتصال والممارسات المرتبطة بهما هي ظواهر تاريخية بطيئة التشكّل ومتغيرة في الآن ذاته.

ومن ناحية أخرى يبدو لنا ضروريّا أن نفهم الميديا الجديدة ضمن السياق التاريخي منذ ظهور الطباعة والصحافة المكتوبة في العالم العربي إلى الآن. فالميديا الجديدة لا تتشكّل في فراغ تخلقه تلك القطيعة الثورية التي تحدثها التكنولوجيات الجديد كما يروّج لذلك الخطاب التكنولوجي الحتمي بل هي تعمل كذلك في بيئة تتشكل فيها وسائط الإعلام القديمة والجديدة

وفق منطق الاستمرارية والتغيّر في الوقت ذاته. فالميديا الجديدة لا تحدث قطائع مطلقة تفصل بين القديم الموعود بالاندثار والجديد المرشح للانتشار. فالجديد كما سنرى لا يلغي دائما القديم، كما أنّ الحدود الفاصلة بين القديم والجديد ليست دائما واضحة. وفي السياق العربي على وجه التحديد يتبيّن لنا من معالجة مختلف إشكاليات الميديا الجديدة أن القديم يمكن أيضا أن يعيد إنتاج نفسه في الفضاءات ذاتها التي ننتظر أن ينبلج فيها الجديد المختلف. وعلى هذا النحو فإن عمليّة “التبيئة” هذه تجيز لنا أن نعاين أشكال تفاعل التكنولوجيا مع السياقات التي تنخرط فيها.

يخبرنا التفكير في الميديا الجديدة، بفضل الأدوات النظريّة والمنهجيّة التي يستند إليها ومن خلال الإشكاليات التي يصوغها في علاقتها بالبيئة الثقافية، عن تحوّلات المجتمعات العربية لأن التكنولوجيا بحكم انتشارها في كل مجالات حياتنا الاجتماعية أصبحت طرفا أساسيا في هذه التحولاّت التي نحياها فرديا وجماعيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *